ملا محمد مهدي النراقي

161

جامع الأفكار وناقد الأنظار

وإذ تقرّر ذلك فلا بدّ لنا من بيان أنّ الثابت للجواب - تعالى شأنه - من المعاني الأربعة للقدرة ما ذا ؟ ، والحقّ من المذاهب المحرّرة للعقلاء في هذا المقام أيّها ؟ . فنقول - وباللّه التوفيق - : انّه لا ريب في ثبوت القدرة بالمعنى الأوّل للواجب - تعالى - ، كما أجمع عليه الكلّ . ويدلّ عليه ما يأتي من اثبات العلم والمشية والإرادة له - تعالى - . والقدرة بهذا المعنى صفة تؤثّر على وفق العلم والإرادة . وهي فينا من الكيفيات النفسانية وفي الواجب هي كون ذاته - تعالى - بحيث يصدر عنه الموجودات لأجل علمه بنظام الخير . فإذا اعتبر ذاته من حيث أنّ الممكنات صادرة عنه كان قدرة ، وإذا اعتبر من حيث أنّها منكشفة له كان علما . والفاعل إذا تعلّق فعله بعلم ومشية كان قادرا من غير أن يعتبر معه شيء آخر من تجدّد اعراض واختلاف دواع أو تفنن إرادات أو سنوح حالات « 1 » ، فانّ القدرة تتعلّق بالمشية سواء كانت المشيّة يصحّ عليها التغيير أولا . وعلى هذا فالقادر المختار من إن شاء فعل وإن لم يشاء فلم يفعل ، سواء شاء ففعل دائما أو لم يشاء فلم يفعل دائما . والشرطية غير متعلّقة الصحّة بصدق من كلّ من طرفيها ، بل قد يصحّ أن يكون أحد طرفيها أو كلاهما ممّا يكذب ، فانّ مثل الظلم والكذب ممّا لا يتعلّق مشية اللّه بفعله ولا يريده ، مع انّه قادر عليه . ومثل النقيضين ممّا لا يتعلق المشية بفعله - لامتناع اجتماع النقيضين - ، ولا بتركه - لامتناع ارتفاعهما - ، ففي مثله ممّا يمتنع وجوده وعدمه يصدق كذب تعلّقها بكلي طرفي الشرطية مع أنّه - تعالى - قادر على فعله وتركه ؛ وعلى هذا فالفعل الاختياري إذا صدر عنّا توقّف على مباد أربعة : / 34 MB / العلم ، والقدرة - بمعنى القوّة والتمكّن - ، والمشية ، والإرادة . وهذه صفات قائمة بذواتنا زائدة عليها . وقد ينفكّ بعضها عن بعض ويستحيل صدور الأفعال الاختيارية عمّن يفقد كلّها أو بعضها ، فالفعل الاختياري هو ما يصدر عن الفاعل بتلك المبادي ؛ والقادر المختار من يصدر عنه الفعل بتلك المبادي . فلو فرضنا أنّ تلك المبادي حاصلة لواحد منّا بالقياس إلى فعل مخصوص دائما لكان صدوره عنّا دائما ، ولا يقدح ذلك في كون

--> ( 1 ) - الأصل : خيالات .